سرحان في الإنتخابات..! – بقلم: أسامة عبدالرحيم
26-11-2010

قرر عم سرحان أن يخوض هذا الموسم انتخابات 2010 بنفسه ولنفسه وعلى سنة الله ورسوله، وذلك بعد أن تسرب إلى سمعه وشايات بأن الحكومة ناوية تاخد صوته بعدما اخدت كل شئ منه حتى الصحة، ولما تحجج عم سرحان بأن ميعاد استخراج البطاقة الانتخابية عدى من كذا شهر وفات، فطس الحاج إبراهيم من الضحك وتشنجت تجاعيد وجهه الستيني وسقط منه “ليَّ” الشيشة واخذ يكح ويسعل بشدة وسط دهشة عم سرحان..!
بعدها علم أن الحكومة تستخرج بطاقات لجميع المواطنين الأحياء منهم والأموات، وأن العملية كلها تدار الكترونياً من بدروم مركز تزوير الانتخابات في المقر الرئيسي للحزب الوطني، وبطول وعرض المقر، الذي كان من قبل مقرًا للاتحاد الاشتراكي علي كورنيش النيل، في وسط القاهرة..!!
في المساء ابتاع عم سرحان عدد من الجرائد في طريق عودته الي شقته التى ترزح تحت نوء أربعة أدوار متهالكة في بيت يحيط بجوانبه الأربعة حزام من الشجيرات الغريبة وحشائش الأحراش التى تتغذى على مياه الصرف الصحي الراكدة، مما أعطى عم سرحان فرصة لمشاهدة حياة الزواحف والحشرات التى تعرضها قناة ناشونال جوغرافيك الفضائية، بل واتاحة فرصة نادرة لمراقبة التحور في جينات هذه المخلوقات بسبب وجود الانسان والزواحف والحشرات والصرف في معجنة واحدة تستحق إعتبارها محمية غير طبيعية.
مرق عم سرحان كالسهم من باب شقته ثنائية الغرف الى ركن الحمام ، وقطع المسافة في خطوتين وكشف الستارة وجلس على كرسي خشب نزع أرضيته لأنه لا يستطيع القرفصة على القاعدة البلدي بسبب الغضروف، استرخي وشعر براحة شديدة بعد ان تدلي البنطال الى ما تحت ركبته، وفتح أول جرائده وقرأ عنوانها” القضاء الإداري تؤكد تمتع بغدادي بـ”حسن السمعة”..وترفض استبعاد غالي”، سمع صوت “تؤ” يأتي من تحته بسبب ارتطام شئ في تجويف القاعدة..!
تبسم عم سرحان لطرافة ما يقرأ وما يسمع وارتباط المضمون في آن واحد، عاد إلي قراءة عنوان ثان جاء فيه :”الإدارية العليا تطالب لجنة الانتخابات بتنفيذ أحكام قيد المرشحين”، هز رأسه وتنهد متهكماً وسقطت “تؤ” أخري في جوف الحمام، اعتدل عم سرحان في جلسته التى يستمتع فيها بمتابعة الجرائد وتناول واحدة اخري قرأ في المانشيت الرئيسي :” لجنة الانتخابات تقرر شطب المرشح الذي يستخدم شعار “الإسلام هو الحل” “، توالت أكثر من “تؤ” عقب ذلك العنوان حتى ان عم سرحان شك في الأمر وهم بالوقوف لولا أن المثانة ألحت عليه بأنه قد حان عليها الدور..!
شعر عم سرحان براحة شديدة بعد اكثر من “تؤ” وعلى عجالة تناول آخر جريدة ومر سريعا على عنوانها الرئيسي الذى جاء فيه:” نظيف: مصر قادرة على مراقبة الانتخابات البرلمانية بنزاهة وشفافية”، لا يدري عم سرحان لماذا ارتبط هذا العنوان بالفرج حيث اندفع البول مهرولا من مثانته في نزاهة ويشق طريقه نحو جوف الحمام في شفافية تؤكد ان كليته ولله الحمد عادت الى طبيعتها بعد مفاوضات شاقة مع الأملاح..!
رفع عم سرحان ستارة الحمام وخرج محاولا الا يتعثر في طريقه بجثث أطفاله الثلاثة النائمين على أرضية الصالة ، ومد يده الى كوفرتة انزاحت من على جسد ابنته الطالبة في المرحلة الثانوية، وأراد أن يصنع كوبا من الشاي ولكنه تراجع عن المحاولة لا ستحالة ذلك دون أن يوقظ الجميع وعلى رأسهم زوجته الأربعينية التى تعاني من أزمة ربو حادة، واكتفي بقطعة من بسكويت كانت راكدة في بقايا كوب شاي الذى تعشقه طفلته سميرة التى تعشق الرسم مثل أبيها..!
في الصباح تزاحم الجميع على عتبة الحمام ولم تفصلهم سوى ستارته المهترئة التى لا تضمن الخصوصية لمن يقضى حاجته، بعد حوالي الساعة من تداخل الطلبات والأصوات والتأفف والتذمر أخذ كل واحد ما يخصه وانطلقوا الى مدارسهم، في حين ربت عم سرحان على كتف زوجته ووعدها بزجاجة دوا “فنتولين” غير التى سكبها “شحتة” وهو يلعب، خرج عم سرحان مصحوبا بدعوات زوجته له بأن يوفقه الله في انتخاب من يستحق، ويجعل له لجنة سهلة بلا تزوير وان يحفظ الصناديق من كيد الكائدين والبلطجية المأجورين..!
على بعد مترات من مقر لجنته الإنتخابية وقف بقايا شعر عم سرحان من على جانبي رأسه، شاهد الرجل جنازير تتدلي وسنج تلمع في الهواء وشعر ان اللجنة تخص بني قينقاع وان كعب بن باتا هو من يشرف على سير العملية الإنتخابية، أسرع عم سرحان إلى أحد أفراد الشرطة ينبهم لما يحدث ولكنه أخذ ردا فاتر مما جعله متيقنا أن ما يحدث هو بعينه تحالف الأحزاب ضد الحرية والديمقراطية، وعلى بعد خطوات وجد عم سرحان الناس تتدافع ناحية أحد مندوبي مرشح الهلال والنجمة الذهبية وهو يوزع أرغفة كفتة مدعومة بعشرة جنيه..!
جلس عم سرحان على دكة قريبة من مقر اللجنة يسترجع أجواء نكسة 67 وشعر بأن رائحة الهواء عادت كريهة كما كانت وقتها، شرد بخواطره عندما حطت ورقة دعاية عند حذائه مكتوب فيها :” من حقك رغيف نظيف من حقك شربة مياه نظيفة من حقك مستشفى نظيفة من حق ولادك مدرسة وجامعة وسكن …!”، قطع شروده جلوس عم ابراهيم بجواره على الدكة وهو يلوك قطع الكفتة ويقبض بكفه على العشرة جنيهات، سأله عم إبراهيم بحزن وواضح :” مالك سرحان في إيه..؟!”، حدق سرحان النظر في رغيف عم ابراهيم والعشرة جنيهات والورقة تحت قدمه ثم قال بزفرة مُرة:” سرحان في الإنتخابات”..!
–
أسامة عبد الرحيم
صحفي مصري
على كده البلد كلها سرحان فى سرحان
بارك الله فيك يا أسامة، وفي قلمك الذي صور المشهد المصري في حقيقته بكل بساطة ، بساطة أضحكتنا بشدة ولكنها في النهاية آلمتنا بشدة أكثر… لا تحرمنا من كتاباتك
الشعب ده كله سرحان..وياما حناكل كفتة في كل فرح للتزوير والثمن عشرة جنيهات فقط..كم انت رخيص يا شعب مصر..!